محمد بن عبد الملك الديلمي

98

شرح الأنفاس الروحانية لأئمة السلف الصوفية

أما قوله صلى اللّه عليه وسلم : « إني لأجد نفس الرحمن من قبل اليمن » « 1 » يعني إني لأجد أنوار الكبرياء من قبل اليمن ، ولم يرد به أرض اليمن غير أنه لما وقع اليمن من يمين المتوجه إلى صوب المتوجه المشرق في ديار الحجاز ذكر اليمن وأراد اليمين . ولذلك التفسير أصل لا ينشرح بدون معرفة ذلك الأصل ، وذلك الأصل لا يعرف إلّا بمعاينة هذا التجلي مرارا كثيرة في جهات جمة من الآفاق ، أو يعرف بخير من يعاين بعين القلب فمن قبل خبره إيمانا فهم هذا التفسير ، وإلّا فلا وذلك أن المرتقي إلى أعلى العليين ، أو النازل إلى أسفل السافلين ، أو السائر إلى صوب يمين ، أو يسار ، أو خلف ، أو قدام ، أو عرج حتى خرج من عالم الملكوت وسار إلى ما وراءه ما لا نهاية له ، ثم تجلى له ذلك الوصف ، حيث هو فإنما يشاهد غلبتها ، وازدحامها من يمنه ثم لا من يمينه ثم أعنى من يمينه ثم يمين المتوجه إلى صوب المشرق حتى أنه لو توجه إلى المغرب واستدبر المشرق ثم تجلى له ذلك النور من الكبرياء لرآه من قبل شماله ؛ لأن شماله الآن عين المتوجه إلى صوب المشرق تفهم جيدا جدّا أن شاء اللّه . فإن قال قائل : روي في خبر آخر أنه صلى اللّه عليه وسلم « كان جالسا مستدبر اليمن فقال :

--> ( 1 ) رواه البزار في مسنده ( 9 / 150 ) ، والطبراني في الكبير ( 7 / 52 ) ، قال سيدي محمد وفا : انظر كيف إذا تنفست استبطنت الهواء الظاهر بانتشاقه ، وعلا جسمك مع ذلك طبعا بحسب قوة ذلك الانتشاق ، ثم أظهرت الهواء الباطن في جوفك بنفحه ، وتنزل جسمك مع ذلك كذلك ، واستصحب سعة وراحة ، فالتنفس هو استبطان ظاهر بعلو ينتج إظهار باطن بتنزل يستصحب سعة وراحة في كل مقام بحسبه : وَالصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ * إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ [ التكوير : 18 ، 19 ] ، « إني لأنشق نفس الرحمن من قبل اليمن » ، وكل حقيقة تعيّنت بحقها فحقها نفسها ، وتعينها بنفسها ، والحق المعيّن الثابت ثبوتا لا يحتمل النقيض في كل مقام بحسبه .